فوزي آل سيف
17
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
ولم يمتد العمر به ولا الحكم أكثر من سنة[37] بعد هذه الحادثة، على أنه حكم وهو صغير السن (25 سنة)[38] وفي نفس الوقت كان يريد عزل أخيه هارون الذي عينه أبوهما المهدي وليا للعهد بعد الهادي! وهكذا أنت ترى عزيزي القارئ منذ مجيء المنصور العباسي الخليفة الثاني إلى الخليفة السادس وكل واحد منهم يتآمر على الثاني لإزاحته عن ولاية العهد، وهذا طبيعي في تقديرنا ما دامت الأمور تسير على غير الموازين والمقاييس الصحيحة، فلا الأمر خاضع للتعيين الديني ولا هو راجع إلى الكفاءة الشخصية، وإنما هي الأهواء والرغبات وهي لا تلبث أن تتضارب وتختلف، وكل خليفة يحب أن يكون ولي عهده ابنه دون أخيه! ولم يتمكن موسى الهادي من إتمام ما كان قد عزم عليه من ازاحة أخيه هارون (الرشيد) بن المهدي لصالح ابنه جعفر فجاء هارون (الرشيد) ليستلم الحكم مدة طويلة (حوالي 23 سنة) من 170ه إلى 193، وفي منتصف هذه الفترة تم قتل الإمام الكاظم عليه السلام مسموما في داخل السجن بأمر هارون العباسي. وسيأتي مزيد من التحليل لشخصيات وسياسات هؤلاء الحاكمين في صفحات قادمة. أحوال الإمام عليه السلام، في زمان هارون: من المهم أن نسجل وقد أفردنا عنوانا خاصا لهذه الفترة، ملاحظات: 1/ إننا نستغرب من بعض المسلمين الذين يرفضون تجديد النظر في التاريخ، بعد أصبحوا أسارى لكلمات ذكرها السابقون، أو صور سوقها مؤرخون، ومن أوضح الأمثلة على ذلك عصر هارون الرشيد! فالصورة التي ركزت في وعي الأمة صورة الأمة المزدهرة تحت رعاية حاكم عادل! حيث بلغت من الازدهار حدا جعله يخاطب السحابة كما قالوا: شرّقي! غرّبي فخراجك يأتي إليّ! ونبدأ من (الرشيد) لقبًا.. فهل كان رشداً أن يسجن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام فترات متطاولة لا لشيء إلا لأنه مثلا لا يؤيد سياسته؟ ولا يراها شرعية؟ مع أنه عليه السلام كان «كاظم الغيظ «فلم يكن حتى ليحاربه بالكلمة العلنية، ومع ذلك لم يتحمله هارون وألقى به في غياهب السجن!
--> 37 تاريخ الطبري: 8/ 213: كانت ولايته سنة وشهرا واثنين وعشرين يوما. 38 وهذا ما يرجح الرواية التي تشير إلى أن أمه الخيزران هي التي أقدمت على تسميمه بمساعدة جواريه وتخطيط من يحيى بن خالد وهارون بعد أن رفض تدخلها في الأمور السياسية، وربما أيضا لأنها كانت تفضل عليه ابنها الآخر هارون بالإضافة إلى أنه هو بنفسه حاول قتلها بالسم!! كما نقله الطبري في تاريخه ٨/٢٠٦: بعث موسى (الهادي) إلى أمه الخيزران بأرزّة، وقال: استطبتها فأكلت منها، فكلي منها قالت خالصة: فقلت لها: أمسكي حتى تنظري، فإني أخاف أن يكون فيها شيء تكرهينه، فجاءوا بكلب فأكل منها، فتساقط لحمه، فأرسل إليها بعد ذلك: كيف رأيت الأرزّة؟ فقالت: وجدتها طيبة، فقال: لم تأكلي، ولو أكلت لكنت قد استرحت منك، متى أفلح خليفة له أم! قالَ وحدثني بعض الهاشميين، أن سبب موت الهادي كان أنه لما جد في خلع هارون والبيعة لابنه جعفر، وخافت الخيزران على هارون منه، دست إليه من جواريها لما مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه، ووجهت إلى يحيى بْن خالد: أن الرجل قد توفي، فاجدد في أمرك ولا تقصر.